محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

966

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

عرفوه في تعاملهم بين ملوكهم وعظمائهم ؛ فمن ذلك الكعبة جعلها اللّه بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم ، وهو متعال عن الحاجة إلى موضع يسكنه ، وأمر الناس بزيارته كما يزورون ملوكهم حتّى ذكر في الحجر أنّه يمين اللّه في الأرض ؛ إذ جعل موضعا للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم . وروي عن الضحّاك في الكرسيّ أنّه الذي يضع عليه الملوك أقدامهم . كلّ هذا راجع إلى معنى عظم السلطان وجلال الملك ذكره اللّه بالعبارة التي تقرب من الأفهام في قوله : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما أي لا يثقله حفظهما ولا يجهده حملهما . يقال : « 1 » آده يؤوده إذا أثقله وأجهده ؛ وحفظهما إمساكهما أن يزولا ، والهاء في قوله : ولا يؤوده للّه - عزّ وجلّ - وقال الزجّاج : « 2 » وجائز أن يكون للكرسيّ ؛ فإنّه أمر عظيم من أمر اللّه ، [ يحفظ ] عامّة السماوات والأرض ؛ وإنّما قال حفظهما لأنّه جعلهما جنسين كقوله : كانَتا رَتْقاً . وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ « 3 » والعليّ المرتفع على كلّ شيء ، علا فهو عال وعليّ ، مثل شهيد فهو شاهد وشهيد ؛ والعليّ الفعيل من العلوّ ، والعلوّ عظمته وفوقيته ، فهو عليّ عن الإشارة والأمثال ، « 4 » وعليّ عن كلّ شيء بالقدرة والعلم والإحاطة والحكم ، وعليّ عن الأوهام والأفكار ، ويقّدر الأزمنة والأقطار ، عليّ بالاقتدار وبقوّة السلطان . قال تعالى : وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا . الْعَظِيمُ الذي كلّ شيء دونه ؛ فلا شيء أعظم منه كبرياء وجلالة ؛ والعظمة عظم الشأن وقوّة السلطان ، يقال : عظم يعظم عظما يراد به عظم الجسم ، وعظمة يراد به عظمة الأمر والشأن ؛ فشأنه أعظم من أن يوصف وأعلى من أن يدرك ؛ وفي الخبر : « العظمة إزاري والكبرياء ردائي ؛ فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ولا أبالي . » الأسرار قال المعظّمون لجلال اللّه : إنّ آية الكرسيّ اشتملت على عشر كلمات تامّات يوقف

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 3 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 4 ) . في الهامش عنوان : المعاني .